ابن عجيبة

186

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً ، معجبا مِنْ قَوْلِها ومن حذرها ، واهتدائها لمصالحها ، ونصحها للنمل ، وفرحا بظهور عدله . والتبسم : ابتداء الضحك ، وأكثر ضحك الأنبياء التبسّم ، أي : فتبسم ابتداء ، ضاحكا انتهاء . وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ، الإيزاع في الأصل : الكف ، أي : كفّنى عن كل شئ إلا عن شكر نعمتك ، ويطلق على الإلهام ، أي : ألهمني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ من النبوة والملك والعلم ، وَعَلى والِدَيَّ ؛ لأن الإنعام على الوالدين إنعام على الولد ، وَ ألهمني أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ في بقية عمرى ، وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ أي : وأدخلني الجنة برحمتك ، لا بصالح عملي ؛ إذ لا يدخل الجنة إلا برحمتك ، كما في الحديث . فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ أي : في جملة أنبيائك المرسلين ، الذين صلحوا لحضرتك . أو : مع عبادك الصالحين . روى أن النملة أحست بصوت الجنود ، ولم تعلم أنهم في الهواء ، فأمر سليمان عليه السّلام الريح ، فوقفت ؛ لئلا يذعرن ، حتى دخلن مساكنهن ، ثم دعا بالدعوة . قاله النسفي . الإشارة : من أقبل بكليته على مولاه ، وأطاعه في كل شئ ، سخرت له الأكوان ، وأطاعته في كل شئ . ومن أعرض عن مولاه أعرض عنه كلّ شئ ، وصعب عليه كلّ شئ . « أنت مع الأكون ما لم تشهد المكون ، فإذا شهدته كانت الأكوان معك » . فإذا سخرت له الأشياء ، وزهد فيها ، وأعرض عنها ، واختار مقام العبودية ، ارتفع قدره ، ولم ينقص منه شيئا ، كحال نبينا - عليه الصلاة والسلام - . ومن سخرت له الأشياء ، ونظر إليها ، انتقص قدره ، وإن كان كريما على اللّه ، ولذلك ورد في الخبر أن سليمان عليه السّلام : هو آخر من يدخل الجنة من الأنبياء . ذكره في القوت . وذكر فيه أيضا : أن سليمان عليه السّلام لبس ذات يوم ثيابا رفيعة ، ثم ركب على سريره ، فحملته الريح ، وسارت به ، فنظر إلى عطفيه نظرة ، فأنزلته إلى الأرض ، فقال لها : لم أنزلتنى ولم آمرك ؟ فقالت له : نطيعك إذا أطعت اللّه ، ونعصيك إذا عصيته . فاستغفر وتاب ، فحملته . وهذا مما يعتب على المقربين ؛ لكبر مقامهم ، فكل نعيم في الدنيا ينقض في الآخرة . واللّه تعالى أعلم . ثم قال تعالى : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 20 إلى 26 ] وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ( 20 ) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 21 ) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ( 23 ) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ( 24 ) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 25 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 26 )